أحمد بن علي القلقشندي
362
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وبعد ، فإنّ أولى ما أطال فيه المطيل ، وشحذ في وصفه الذّهن الكليل ، ورقمت محاسن ذكره على صفحة النّهار بذائب ذهب الأصيل - ما تواصلت به الأنساب ، وتوصّل بواسطته في دراريّ الذّراري إلى شرف الأحساب ، وتوفّرت عليه الدّواعي فاشتدّت به الأواصر ، وحسنت في طريق قصده المساعي فتأكَّدت به المودّة في البواطن والظواهر ، وهو النّكاح الذي ندب اللَّه تعالى إلى معاطاته ، وحضّ على التّحلَّي بحليه حتى ألحقه بالعبادة في بعض حالاته ، طلبا للتّحصين الكافل بسلوك نهج الاستقامة ، ورغبة في تكثير النّسل الواقع [ به ] مكاثرة الأمم يوم القيامة . هذا وكرائم بيت الخلافة ، وربائب محتد المجد والإنافة ، في حيّز لو طلب مناو مكافأتها لطلب معوزا ، أو رام مقاوم مضاهاتها في علوّ الرّتبة لرام معجزا ، لما اختصّت به من السّيادة التي لا يرقى إلى منزلتها ، والمعالي التي لا تسمو النّفوس وإن شمخت إلى رتبتها ، إذ كان النّظير لشرف أرومتها ممتنعا ، والنّقيض بما ثبت من طيب جرثومتها مرتفعا ؛ فبرق معاليها في التّطاول لا يشام ، وجوهر فخارها في المآثر لا يسامى ولا يسام ؛ فعزّ بذلك في الوجود مكافيها ، وامتنع - خوف الهجوم بالاختطاب - موافيها ؛ إلا أن المواقف الشريفة المقدّسة المتوكَّلة - زاد اللَّه تعالى في شرفها ، وأدام رعايتها بحلَّة الملوك وحمايتها وكنفها - مع ما انفردت به من العزّ الشّامخ الذي لا يساوى ، والشّرف الباذخ الذي لا يناوى ، قد رغب تفضّلها في أهل الفضل فمال إليهم ، واختصّ باقباله أهل الدّين فأقبل بكلَّيته عليهم ، محلَّا لهم من شريف مقامه العليّ محلّ الاصطفاء ، ومقدّما لهم في المصاهرة على أبناء الملوك والخلفاء ، فوافق في الفضل « شنّ طبقة » ، وحاول سارّة النّعم منها خير خاطب فتلقّى بقبول : إنّ اللَّه تصدّق عليكم بصدقة ، فعند ذلك ابتدر القلم منبر الطَّرس فخطب ، وخطب بالمحامد لسانه اللَّسن فكتب : هذا ما أصدق العبد الفقير إلى اللَّه تعالى ، الجناب العاليّ ، الأميريّ ، الكبيريّ ، الشّيخيّ ، الإماميّ ، العالميّ ، العامليّ ، العابديّ ، الخاشعيّ ، النّاسكيّ ،